/ الفَائِدَةُ : ( 4 ) /

06/03/2026



بِسْمِ اللهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الطَّاهِرِينَ ، وَاللَّعْنَةُ الدَّائِمَةُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ أَجْمَعِينَ . /تأصيلٌ معرفيٌّ في بَيَان حقيقةِ عَالَمِ البَرْزَخِ/ أَخْطَأَ فِي تَفْسِيرِ حَقِيقَةِ عَالَمِ البَرْزَخِ وَمَاهِيَّتِهِ كُلٌّ مِنَ: المُتَكَلِّمِينَ ، وَالمُفَسِّرِينَ ، وَالفَلَاسِفَةِ ، وَالعُرَفَاءِ ؛ وَجَعَلُوهُ : حَلْقَةً وَقَنْطَرَةً وَرَابِطاً بَيْنَ عَالَمِ الدُّنْيَا وَعَالَمِ القِيَامَةِ . وَالحَالُ : أَنَّ الوَارِدَ فِي بَيَانَاتِ الوَحْيِ : أَنَّهُ حَاشِيَةٌ لِعَالَمِ الدُّنْيَا ، وَمِنْطَقَةُ اسْتِرَاحَةٍ فِي جَانِبٍ مِنْ جَوَانِبِهِ ، وَمَرْحَلَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَ طَرَفَيْ عَالَمِ الدُّنْيَا ـ عَالَمِ الدُّنْيَا الأُولَىٰ ، وَعَالَمِ آخِرَةِ الدُّنْيَا (الرَّجْعَةِ) ـ . فَانْظُرْ : أَوَّلاً : بَيَانُ الإِمَامِ الصَّادِقِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ، عَنِ الوَلِيدِ بْنِ صَبِيحٍ ، قَالَ : «دَ خَلْتُ عَلَيْهِ يَوْماً فَأَلْقَىٰ إِلَيَّ ثِيَاباً وَقَالَ : يَا وَلِيدُ ، رُدَّهَا عَلَىٰ مَطَاوِيهَا . فَقُمْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ ) : رَحِمَ اللهُ المُعَلَّىٰ بْنَ خُنَيْسٍ ، فَظَنَنْتُ أَنَّهُ شَبَّهَ قِيَامِي بَيْنَ يَدَيْهِ بِقِيَامِ المُعَلَّىٰ بْنِ خُنَيْسٍ بَيْنَ يَدَيْهِ . ثُمَّ قَالَ : أُفٍّ لِلدُّنْيَا ، أُفٍّ لِلدُّنْيَا ، إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ بَلَاءٍ ، سَلَّطَ اللهُ فِيهَا عَدُوَّهُ عَلَىٰ وَلِيِّهِ ، وَإِنَّ بَعْدَهَا دَاراً لَيْسَتْ هَكَذَا . فَقُلْتُ : جُعِلْتُ فِدَاكَ وَأَيْنَ تِلْكَ الدَّارُ ؟ فَقَالَ : هَاهُنَا ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الأَرْضِ »(1). ثَانِياً : بَيَانُ الإِمَامِ البَاقِرِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) : « كُنْتُ خَلْفَ أَبِي وَهُوَ عَلَىٰ بَغْلَتِهِ فَنَفَرَتْ بَغْلَتُهُ فَإِذَا رَجُلٌ شَيْخٌ فِي عُنُقِهِ سِلْسِلَةٌ وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ ، فَقَالَ : يَا عَلِيَّ بْنَ الحُسَيْنِ ، اسْقِنِي اسْقِنِي . فَقَالَ الرَّجُلُ : لَا تَسْقِهِ لَا سَقَاهُ اللهُ . قَالَ : وَكَانَ الشَّيْخُ مُعَاوِيَةَ »(2). ثَالِثاً : بَيَانُهُ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) أَيْضاً ، عَنْ أَبِي الصَّخْرِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي الحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ، قَالَ : « دَخَلْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي عَلَىٰ عِيسَىٰ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَبِي طَاهِرٍ العَلَوِيِّ . قَالَ أَبُو الصَّخْرِ : فَأَظُنُّهُ مِنْ وُلْدِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ . قَالَ : وَكَانَ أَبُو طَاهِرٍ فِي دَارِ الصَّيْدِيِّينَ نَازِلاً . قَالَ : فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ عِنْدَ العَصْرِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ مِنْ مَاءٍ وَهُوَ يَتَمَسَّحُ ، فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ فَرَدَّ عَلَيْنَا السَّلَامَ ، ثُمَّ ابْتَدَأَنَا فَقَالَ : مَعَكُمْ أَحَدٌ ؟ فَقُلْنَا : لَا . ثُمَّ الْتَفَتَ يَمِيناً وَشِمَالاً هَلْ يَرَىٰ أَحَداً ، ثُمَّ قَالَ : أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ جَدِّي أَنَّهُ كَانَ مَعَ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ بِمِنًى وَهُوَ يَرْمِي الجَمَرَاتِ ، وَإِنَّ أَبَا جَعْفَرٍ (عَلَيْهِ السَّلاَمُ ) رَمَىٰ الجَمَرَاتِ ، قَالَ : فَاسْتَتَمَّهَا ثُمَّ بَقِيَ فِي يَدِهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ خَمْسُ حَصَيَاتٍ ؛ فَرَمَىٰ اثْنَتَيْنِ فِي نَاحِيَةٍ وَثَلَاثَةً فِي نَاحِيَةٍ . فَقَالَ لَهُ جَدِّي : جُعِلْتُ فِدَاكَ ! لَقَدْ رَأَيْتُكَ صَنَعْتَ شَيْئاً مَا صَنَعَهُ أَحَدٌ قَطُّ ؛ رَأَيْتُكَ رَمَيْتَ الجَمَرَاتِ ثُمَّ رَمَيْتَ بِخَمْسَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَةً فِي نَاحِيَةٍ وَاثْنَتَيْنِ فِي نَاحِيَةٍ ؟! قَالَ : نَعَمْ ، إِنَّهُ إِذَا كَانَ كُلُّ مَوْسِمٍ أَخْرَجَا الفَاسِقَيْنِ الغَاصِبَيْنِ ، ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا هَاهُنَا ، لَا يَرَاهُمَا إِلَّا إِمَامٌ عَادِلٌ ؛ فَرَمَيْتُ الأَوَّلَ اثْنَتَيْنِ ، وَالآخَرَ ثَلَاثَةً ؛ لِأَنَّ الآخَرَ أَخْبَثُ مِنَ الأَوَّلِ »(3). / إِدْرَاكُ أَصْحَابِ العُلُومِ الحَدِيثَةِ لِبَعْضِ حَقَائِقِ عَالَمِ البَرْزَخِ / هَذَا ، وَقَدْ أَفْضَتْ مَسَاعِي أَرْبَابِ العُلُومِ الحَدِيثَةِ إِلَى إِدْرَاكِ جَوَانِبَ مِنْ كُنْهِ (عَالَمِ البَرْزَخِ) وَتَبَيُّنِ بَعْضِ مَلَامِحِهِ وَآثَارِهِ ؛ إِذْ كَشَفُوا عَنْ أَنَّ لِلأَمْوَاتِ فِيهِ نَشَاطَاتٍ وُجُودِيَّةً ، وَإِشْرَافاً تَدْبِيرِيّاً عَلَى شُؤُونِ الأَحْيَاءِ وَنِظَامِ كَوْكَبِ الأَرْضِ . /اِتِّصَالُ النَّشْأَتَيْنِ وَعَرْضُ الأَعْمَالِ/ / جَمِيعُ أَعْمَالِ العِبَادِ تُعْرَضُ عَلَىٰ أَهْلِ البَيْتِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم وَهُمْ فِي عَالَمِ البَرْزَخِ / وَمُقْتَضَى هَذَا الكَشْفِ : أَنَّ عَالَمَ البَرْزَخِ لَيْسَ مَنْبَتّاً عَنْ عَالَمِ الدُّنْيَا ، وَلَا يَعِيشُ حَالَةَ النَّأْيِ أَوِ الِانْقِطَاعِ عَنْهَا ؛ وَهذا مَا يَتَسَاوَقُ تَمَاماً مَعَ مَا تَوَاتَرَ عِنْدَ الفَرِيقَيْنِ : مِنْ أَنَّ أَعْمَالَ العِبَادِ تُعْرَضُ عَلَى سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) فِي كُلِّ يَوْمٍ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، بَلْ وَتُعْرَضُ كَذَلِكَ عَلَى أَئِمَّةِ أَهْلِ البَيْتِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم) ، بِاعْتِبَارِهِمْ شُهَدَاءَ اللهِ فِي خَلْقِهِ . فَلَاحِظْ : أَوَّلاً : بَيَانُ أَبِي الحَسَنِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ : « سُئِلَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) : {اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ}(4) قَالَ : إِنَّ أَعْمَالَ العِبَادِ تُعْرَضُ عَلَىٰ رَسُولِ اللَّهِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) كُلَّ صَبَاحٍ ؛ أَبْرَارَهَا وَفُجَّارَهَا فَاحْذَرُوا » (5) . ثَانِيًا : بَيَانُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ كَثِيرٍ ، قَالَ : « قَوْلُهُ : {قُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ} قَالَ : هُمُ الأَئِمَّةُ ، تُعْرَضُ عَلَيْهِمْ أَعْمَالُ العِبَادِ كُلَّ يَوْمٍ إِلَىٰ يَوْمِ القِيَامَةِ »(6). وَهَذَا بُرْهَانٌ وَحْيَانِيٌّ ـ كَسَابِقِهِ ـ دَالٌّ عَلَىٰ أَنَّ مَسْؤُولِيَّةَ سَيِّدِ الأَنْبِيَاءِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وآله) وَسَائِرِ أَهْلِ البَيْتِ الأَطْهَارِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم) وَرِعَايَتَهُمْ لِمَسَارِ الكَمَالِ البَشَرِيِّ ، وَحَاكِمِيَّتَهُمْ فِي تَرْبِيَةِ النَّوْعِ وَتَسْدِيدِهِ ـ لِبُلُوغِ مَرْتَبَةِ (الإِنْسَانِ الكَامِلِ) وَتَحْقِيقِ نَمُوذَجِ (المَدِينَةِ الفَاضِلَةِ) ـ ؛ هِيَ وِلَايَةٌ ثَابِتَةٌ نَافِذَةٌ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ ، بَلْ وَمَا بَعْدَ حَشْرِ الخَلَائِقِ أَيْضاً . /تَقْرِيرُ الوِلَايَةِ المُسْتَمِرَّةِ وَتَصَاعُدِ النُّفُوذِ المَلَكُوتِيِّ/ /تَضَاعُفُ المَسْؤُولِيَّةِ بِإِشْرَاقِ الأَنْوَارِ/ بَلْ إِنَّ هَذِهِ المَسْؤُولِيَّةَ فِي تَنَامٍ وَازْدِيَادٍ وُجُودِيٍّ ؛ فَحِينَمَا انْتَقَلَ سَيِّدُ المُرْسَلِينَ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) إِلَى الرَّفِيقِ الأَعْلَى ، لَمْ تَكُنِ النَّشْأَةُ المَادِيَّةُ قَدْ شَهِدَتْ بَعْدُ ظُهُورَ أَوْصِيَائِهِ الأَئِمَّةِ التِّسْعَةِ مِنْ ذُرِّيَّةِ الحُسَيْنِ (صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِم) ، فَلَمَّا أَشْرَقَتْ أَنْوَارُهُمْ فِي عَالَمِ النَّاسُوتِ ، وَتَشَرَّفَتْ بِهِمْ آفَاقُ الأَرْضِ ، وَبَاشَرُوا مَهَامَّهُمْ ضِمْنَ دَوَائِرِ الِاصْطِفَاءِ وَنُفُوذِ الوِلَايَةِ ؛ تَعَاظَمَتْ تَبَعاً لِذَلِكَ مَسْؤُولِيَّةُ جَدِّهِمُ الأَعْظَمِ (صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ) ؛ إِذْ بِاتِّسَاعِ دَائِرَةِ نُفُوذِ الأَغْصَانِ ، يَتَأَكَّدُ عُلُوُّ وَهَيْمَنَةُ الأَصْلِ وَالجِذْرِ . وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ الأَطْهَارِ. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ (1) مُخْتَصَرُ البَصَائِرِ: ١٦٧/ح١٤٤ ـ ٤٤. الكَافِي، ٨: ٣٠٤/ح٤٦٩. (2) بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ، ٢: ٤٤/ح١٠٠٩ ـ ١. وَعَلَىٰ مِنْوَالِهِ: ح١٠١٠ ـ ٢، ١٠١١ـ ٣، ١٠١٢ـ ٤، ١٠١٣ـ ٥، ١٠١٤ ـ ٦، ١٠١٥ ـ ٧. الاِخْتِصَاصُ: ٢٧٥. (3) بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ: ٤٨/ح١٠١٦ ـ ٨. الاِخْتِصَاصُ: ٢٧٧. (4) التَّوْبَةُ: ١٠٥. (5) بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ، ٢: ٣١٧/ح١٥٠٤ ـ ٢. (6) بَصَائِرُ الدَّرَجَاتِ، ٢: ٣٢٢/ح١٥٢٢ ـ ٤